روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

57

عرائس البيان في حقائق القرآن

فكأن هو الذي أخذهم إلى نفسه ، لا هم بأنفسهم رجعوا إليه . قال الأستاذ : إذا أشرفوا على العطب ، وقاربوا من التلف ، واستمكن اليأس من قلوبهم من النصر ، وظنّوا نفوسهم على أن يذوقوا إليهم اليأس ، أمطر عليهم سحاب الجود بالإجابة ، فيعود عود الحياة بعد يبسه طريّا ، ويرد ورد الأنس عقب ذبوله غضّا جليّا . [ تفسير الآية 119 ] وقال في وصف الثلاثة لمّا صدق منهم الملجأ : سبق إليهم الشفاء ، وسقط عنهم البلاء ، وكذلك الحقّ يكون نهار اليسر على ليالي العسر ، ويطلع شموس المنّة على فخوس الفتنة ، ويله من تلك السعادة ، فيمحق تأثير طوارق النكادة سنّة منه سبحانه ، لا يبدّلها عادة في الكرم يجريها ، ولا يحولها ، ثم حثّ هؤلاء المخاطبين بالتوبة والمغفرة ، ونظر أنهم من المؤمنين ، بطلب زيادة المقامات والدرجات ، وحذّرهم من نفسه ، وطالبهم بالصدق في وفاء المعرفة ، بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ جعل الطريق على ثلاثة أقسام : الإيمان ، والتقوى ، والصدق ، وهي من أعمال القلوب ؛ لأنها تثبت حقائقها بكشف أنوار الغيوب ، ومن خصّ بالإيمان والتقوى والصدق ، يدرك بالإيمان مشاهدة أنوار حقائق الآيات ، ويدرك بالتقوى مشاهدة أنوار الصفات ، ويدرك بنور الصدق مشاهدة أنوار الذات ، سمّاهم مؤمنين ، ودعاهم من مقام الإيمان إلى مقام التقوى ، وهو رؤية إجلاله ، والتبرّي من غيره ، ودعاهم من التقوى إلى مقام الصدق ، وهو مقام الاستقامة مع اللّه ، حيث لا يفر الصادق منه ببلائه ، وبيّن أن المؤمن مستعد لإدراك نور التقوى ، وإدراك نور الصدق ، ولولا ذلك ما حثّهم على طلبها ، وخوّف المؤمنين عن مخالفة الصادقين ، أي اقبلوا يا أهل الإيمان ما يصدر من الصادقين من أحكام علوم المجهول الغريبة ، والبراهين العجيبة ؛ حتى تكونوا بالإيمان به معهم في مقام المشاهدة ؛ لذلك قال عليه السلام « من أحبّ قوما فهو معهم » « 1 » . وقال بعضهم : مَعَ الصَّادِقِينَ مع المقيمين على منهاج الحقّ قال بعضهم الصَّادِقِينَ الذين لم يخلفوا الميثاق الأول ، فإنها صدق الكلمة . قال أبو بكر بن طاهر : مع من ضاقت نيّتهم عن طاعته ، وخلصت سرائرهم لمودة ما يرد عليهم . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 122 ] وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 )

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2283 ) ، ومسلم ( 4 / 2032 ) .